هل مازلنا نعيش عصر الإمبراطورية؟

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يعيش البشر، اليوم، فى دول قومية. لم يكن هذا هو الحال عبر أغلب العصور التاريخية. إما أن البشر سكنوا وحداتٍ سياسية صغيرة، كالمدن أو الإمارات والبلدات، أو أنهم عاشوا فى كنف إمبراطوريات كبرى. والإمبراطورية هى كيان سياسى ضخم، يحكم أعدادًا هائلة من البشر، ويمتد على مساحة شاسعة من الأرض. الغرض من تشكيل الإمبراطوريات كان مراكمة الثروات.

فى العصور القديمة كان الحصول على الثروة يمر عبر طريق واحد: النهب. لم تكن ثمة وسائل خارقة لزيادة الإنتاج الزراعى، وهو مصدر الثروة الوحيد. معدل الابتكار كان بطيئًا. ثماره لم يكن يقطفها فى الغالب مَن يزرعها. الطريق الأيسر دومًا كان السيطرة على مجتمعاتٍ أخرى، وفرض الجباية عليها. من عوائد الجباية تنتفخ خزائن الإمبراطوريات، ويكون بإمكانها إعاشة أعداد أكبر من المقاتلين، ومن ثَمَّ التوسع أكثر.. وهكذا.

على أن الإمبراطوريات ليست مجرد آلات عسكرية للنهب المنظم. الإمبراطورية هى فى الأساس منظومة للحكم والسيطرة على السكان. التحدى الرئيسى أمام أى إمبراطورية تمثل فى الحفاظ على ترابط أطرافها. المعضلة الكبرى كانت دومًا صعوبة الاتصال، خاصة أن الحصان ظل أسرع شىء فى العالم حتى عام القرن التاسع عشر.

المعضلة الأخرى تمثلت فى المدى الذى تذهب إليه الإمبراطورية فى الاستعانة بالنظام القائم فى الأقاليم المحتلة. إذا تدخلت الإمبراطورية أكثر من اللازم فإنها تُخاطر بزعزعة الترتيبات السياسية والاجتماعية المستقرة، ومن ثَمَّ تقليص عوائد الجباية التى تمثل هدف الإمبراطورية الأصلى. وإذا تركت الإدارة القائمة على حالها، فإنها تُعرض نفسها للذوبان فى الإقليم المحتل. وقد كانت للحضارات ذات الثقافات المستمرة والأجهزة البيروقراطية الراسخة قدرةٌ كبيرة على استيعاب الغزاة. ومن ذلك مثلًا ما فعله المصريون مع الهكسوس، وما فعله الصينيون مع المغول فى القرن الرابع عشر.

معنى ذلك أن معضلات الإمبراطورية الكبرى تمثلت أساسًا فى إدارة العلاقة مع البشر، المختلفين فى الثقافة والدين، الذين يعيشون فى كنفها. فى قدرتها على فرض نظامٍ شامل يشعر عددٌ كبير معه بأن استمراره فى صالحهم.

قدّم الفرس النموذج الأول فى إقامة إمبراطورية كبرى متعددة الأعراق فى القرن السادس قبل الميلاد. أقاموا نظامًا بيروقراطيًا محكمًا من حكام الأقاليم. كانت إمبراطوريتهم متسامحة. تركوا الأقاليم تُمارس أديانها على طريقتها. هذا هو النهج الذى تبناه ملكهم الأشهر «قورش»، الذى يُعرف فى التاريخ بأنه مخلص اليهود من السبى البابلى فى القرن السادس قبل الميلاد.

الرومان أخذوا هذا النهج إلى مستوى أبعد كثيرًا. كانوا قادرين على استيعاب أعداد هائلة من سكان الأقاليم المحتلة كمقاتلين فى الجيش، ثم بعد مرحلة معينة كمواطنين فى الإمبراطورية. حدثت هذه العملية بالتدريج، إلى أن أعلن الإمبراطور «كاركالا» فى مطلع القرن الثالث عن منح المواطنة لجميع سكان الإمبراطورية. كانت هذه السياسة الرومانية بلا نظير تقريبًا. وقد منحت جيوش الإمبراطورية مددًا بشريًا مكّنهم من تحمل خسائر المعارك مهما ارتفعت، ثم حسم الحروب لصالحهم على المدى الطويل. بشكلٍ عام، أعطت روما السكان مساحةً واسعة من الحرية الدينية، إلا فى حالة تصادم الدين مع الإمبراطورية. حدث هذا مع اليهود فى القرن الأول الميلادى، ثم مع المسيحيين لاحقًا.

حقق الرومان ما لم تحققه أى إمبراطورية أخرى تقريبًا بالسيطرة على البحر المتوسط كله، بضفتيه الشمالية والجنوبية. حاول آخرون بعد روما، ولم يستطيعوا إكمال المهمة. السيطرة على «المتوسط» كانت تعنى فى واقع الأمر هيمنةً على العالم القديم بكامله. لقد فهم الرومان أن عوائد التجارة تكون هائلة، فقط فى حالة السيطرة على البحر كله. السيطرة على طرق التجارة وتأمينها وفرض حالة من السلام الشامل هى مهمة الإمبراطوريات العالمية.

لقد تغيرت صور الإمبراطوريات وممارساتها عبر التاريخ. لم يعد احتلال الأرض مُولِّدًا للثورة. غير أن جوهر النظام الإمبراطورى لايزال يتمثل فى توفُّر فائض من القوة يسمح لدولة بأن يكون لها امتداد عسكرى، ونفوذ واسع خارج حدودها. هذا النفوذ يؤهل الإمبراطورية لفرض القواعد، خاصة ما يتعلق منها بالنشاط التجارى والأمن. فى عالم اليوم، لا ينطبق هذا المفهوم سوى على الولايات المتحدة، وبدرجة أقل كثيرًا على الصين. الولايات المتحدة لديها بالفعل امتداد عسكرى هائل خارج الحدود فى هيئة قواعد عسكرية وحاملات طائرات تقوم (11 حاملة طائرات مقابل اثنتين للصين، لا تحمل أىٌّ منها سلاحًا نوويًا).

إن القوة هى ركيزة أى بنيان إمبراطورى. كان هذا صحيحًا فى عهد الفرس، كما هو صحيح اليوم فى زمن الولايات المتحدة. على أن القوة وحدها لا تكفى. إدارة كيان مركب بحجم إمبراطورية تقتضى، كما أدرك الفرس ومن بعدهم الرومان، درجة من القبول من جانب السكان. يتعين أن يشعر أعدادٌ كبيرة من البشر بأن مصلحتهم تتحقق فى ظل هذا النظام الإمبراطورى. كان هذا سر قوة روما وتفوقها. حتى إن أعداءها من البرابرة تطلعوا إلى أن يصيروا رومانًا. ظل تفوقها مرهونًا فى الأساس بمتانة علاقتها مع حلفائها، خاصة فى عهد تكوينها الأول.

تكمن قوة أمريكا كذلك فى حلفائها من ناحية، وفى تطلع مئات الملايين من البشر لنمط الحياة الأمريكى من ناحية أخرى. ترتبط واشنطن بعلاقات تحالف متينة مع 70 دولة تقريبًا. منافسا أمريكا، الصين وروسيا، ليس لديهما مثل هذه الشبكة من العلاقات. هما تفتقران للقبول العالمى خارج حدودهما. لا يقف الناس بالطوابير فى انتظار تأشيرة دخول لروسيا أو الصين.

على أن الصين تحاول اليوم بناء شبكة علاقات بديلة تأسيسًا على نفوذها الاقتصادى تحت مسمى مبادرة «الحزام والطريق». تخوض صراعًا من أجل الهيمنة على تكنولوجيا الـ5G، التى يُمكن تشبيهها بالطرق البحرية القديمة باعتبار أن المعلومات صارت أهم سلعة فى عصرنا. ثمة منافسة جارية بين القوى الكبرى من أجل استمالة الحلفاء، والسيطرة على مفاتيح التجارة الدولية. تُذكِّر المنافسة هذه بدوراتٍ تاريخية مشابهة. الأدوات اختلفت، والزمن تغير. مع ذلك، فإن مفتاح التفوق الإمبراطورى لم يتغير: القوة اللازمة لفرض القواعد، والقبول الواسع لدى أعداد كبيرة من البشر. مازال للولايات المتحدة سبقٌ كبير فى الجانبين.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    185,922

  • تعافي

    143,575

  • وفيات

    10,954

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق